بلدان غير مكتوبة.. بلدان أُميّة

بلدان غير مكتوبة.. بلدان أُميّة

بقلم/ رائد وحش

حينما ترى أحد أبناء منطقتك المُهمَّشة مُتحدثًا في وسيلة إعلامية ستترك كل شيء لتستمع إليه، لكن حين يكون هذا الشخص فاقدًا للثقة محليًّا فستستمع إليه لكي يكون تصيُّدُ زلاته وهنّاته مُبرّرًا نفسيًّا، لك ولسواك من أبناء المكان ذاته، لاعتبار هذا الحدث ظلمًا جديدًا صنعه أولئك الذين ادعوا إنصاف هذه المنطقة المظلومة فاستضافوا أفّاقًا.


هذا بالضبط ما حدث لي حينما قلّبتُ بعض فيديوهات التاريخ الشفوي الفلسطيني وظهر أمامي أبو أحمد. يا إلهي! غير ممكن! ألم يقل لهم أحد المتطفلين، أو واحد من أولئك الذين يقدمون الأذى في العادة كخدمة مجانية، أنه كذّاب؟ ألم يكن لديهم من يستشيرونهم قبل التورط ليخبروهم إن الرجل لو قال صدقًا فصدقه سيتلاشى لشدة ميله إلى التهويل والمبالغة، الأمر الذي سيجعل كل ما سيخرج من فمه مثيرًا للشكّ؟

بناء على ذلك، لعب أبو أحمد دورًا معاكسًا للدور الذي ينبغي لمقابلته أن تلعبه، وبدلًا من أن يقدم شهادة شفوية على زمنه وأحداثه ليساهم في ردم النقصان في الرواية التاريخية الرسمية، أفسد المهمة وجعل من شهادته تاريخًا مضادًا. لهذا كنتُ كلما شاهدت جزءًا أقرّر إيقاف تشغيل الفيديو، وبقيت على هذه الحال حتى راح يروي معلومات عن رجل اسمه قدورة قهوجي، وهو سائق باص على خط طبريا، تعرّض لحادث مروري مروع، ذهب ضحيته 60 راكبًا، لم ينج منهم سوى السائق الذي ألقى بنفسه من الباب فتحطم، ونجا أيضًا رضيع لأن جسده طفا على النهر.

قدورة قهوجي، بحسب ما روى أبو أحمد، تزوّج من يهودية مُقامِرة، وشركاؤها في القمار زعماء محليون من مستوى يوسف الطبري، الوجيه الأول في مدينة طبريا، وكامل حسين، الوجيه الأبرز في ريف صفد. ولمّا خسرتْ تلك المرأة كل ما تملك لم تجد رجلًا يقبل بها سوى قدورة، لكنها حين رمّمت أوضاعها المالية اشترت له سيارة موديل سنتها، أي عام 1947.

ضربتُ كفًّا بكف من هذه المعلومات العجيبة التي تخرج فقط من خلال الحديث عن حادث مروري، لتصل إلى مستوى كواليس الأعيان. ولأنّ أبا احمد وصل إلى مستوى عدواني من التزوير فتحت أرشيف الصحف الفلسطينية وبحثت عن أخبار الحوادث، فقرأت تحت عنوان “حادث مروع على طريق الحمّة.. انقلاب باص ومقتل 24 وجرح 14 شخصًا” (1).

يقول الخبر الذي تصدّر الصفحة الأولى من الصحيفة: “في الساعة الثانية والدقيقة 40، من بعد ظهر اليوم، غادرت سيارة باص الحمة وهي تحمل 31 راكبًا، ويسوقها قدورة قهوجي متوجهة إلى طبريا، وعند وصولها إلى الكيلو متر 22 في أعلى الجبل، عند أول عطفة خطرة تدهورت إلى الوادي، وظلت تتدحرج إلى أن استقرت في مياه النهر، منذ هرع البوليس وعدد كبير من الأهالي لإخراج الركاب الذين كانوا في حالة مؤلمة جدًا”.

يختتم المحرر الخبر بذكر أسماء القتلى الذين تم التعرف عليهم، وهم جميعًا من مناطق مختلفة، لكن الغريب أن قدورة قهوجي يرد ضمن قائمة الموتى.

أبو أحمد على حق. كل ما قلته عنه باطل. أبو أحمد الأميّ دقيق إلى درجة حاسمة، وكل ما أخذته عليه مجرد سوء تقدير تم تناقله بين الناس بالعدوى.

لعل الرجل الذي ظل جريحًا طوال عمره من مغادرة فلسطين فقدَ من يُصدّقونه لأنَّ في حكايته ما لا يُصدّق فعلًا.

ترى كم شخصًا مثله يحملون حكايات لبلدانهم ولا تجد من يأخذ بها، ولا حتى من يدوّنها. هذا عن لم نقل: لا تجد إلا من يستخف بها؟

منذ ذلك الوقت وهذه القصة مثالي الساطع على أن أهمية التاريخ الشفوي تكمن في جعل كل واحد منا مؤرخًا، ضمن سياق زمانه ومكانه، ولا يجب على البلدان أن تتعرّض لنكبات وتهجير، لكي تجعل أبناءها مسؤولين عن صياغة سردياتها العامة.

لكن واقع الحال يقودني إلى النظر إلى البلدان العربية على أنها بلدان غير مكتوبة. نكاد لا نعثر على كتابات معاصرة حول المدن والأرياف إلا فيما ندر. وتكاد الأمكنة الوحيدة التي توجد حولها مصادر هي العواصم وحسب، والمؤلم أنها غالبًا ما تكون قليلة وقديمة. كثيرون من يردّون على مثل هذا الزعم بالقول: دونك “تاريخ دمشق” لابن عساكر، ودونك “تاريخ بغداد” للخطيب البغدادي.. وغيرها، ما من شكّ في أهمية هذه الكتب وما شابهها لكنها تتحدّث عن دمشق أخرى، وعن بغداد لم تعد موجودة في الواقع. دمشق وبغداد اليوم غير دمشق وبغداد الأمس.

في الوقت نفسه لو بحثنا عن تاريخ سياسي أو اجتماعي لعاصمة مثل إسطنبول أو باريس لوجدنا مكتبةً عن كلٍّ منهما. مكتبة مكوّنة من آلاف العناوين، بعضها أكاديمي، وبعضها أدبي، وبعضها سياحي وترفيهي، وبعضها الآخر للأطفال.

أتحدّث عن بحوث متعددة تتناول المدن أو البلدات أو القرى من مختلف جوانبها، يكتبها أناس متنوعو الاهتمامات. لا عن بضعة عناوين لا تتجاوز اليد الواحدة، هي كل ما في متناولنا لمعرفة هذه المنطقة أو تلك.

لم يكتب أحد تاريخًا بلدانيًا حقيقيًا إلا الفلسطينيون والمصريون. الفلسطينيون نتيجة التهديد الذي لحق بتاريخهم وجغرافيتهم، حيث فقد المجتمع الفلسطيني الشروط الطبيعية لوجوده الاجتماعي التي تتمثل في وحدة الأرض والشعب والدولة. والمصريون لأنهم بنوا تقاليد حضارية في كل شيء.

وبخصوص الفلسطينيين، يكاد المرء يرى ثورات في الكتب التاريخية التي أنتجوها، إذ لم تكتف بكتابة سردية تاريخية عن البيت، إنما اتجهت في العقود الأخيرة إلى الكتابة عن سَكَنَةِ هذا البيت. ولعل ما دعم وعزّز ذلك التوجه هو وجود مؤسستين علميتين كبيرتين هما: مركز الأبحاث الفلسطيني ومؤسسة الدارسات الفلسطينية. وإن لم تعد المؤسستان كما كانتا في السابق غير أن ذلك لا يؤثر على الميراث الكبير الذي تركتاه في المجال العام.

نعرف أن لكل بلد سردية رئيسية تساهم في جعل الانتماءِ إليه انتماءً إلى المعنى الذي تمثله تلك السردية. فإذا كانت سردية فلسطين هي سردية تحرّر فالانتماء اليها هو انتماء الى الحرية والعدالة، وإذا كانت سردية الجزائر هي سردية الثورة ضد الاستعمار فالانتماء إليها يعني الانتماء إلى الحرية أيضًا، ومعاداة للهيمنة الاستعمارية بمختلف تمثّلاتها. ولم تكن هذه المعاني لتأخذ هذا الشكل الصارم في وضوحه لولا دخولها في حيز المكتوب، سواء جاء ذلك على شكل أدب أو تاريخ، ولأنّ هناك بلدانًا كثيرة لا سردية واضحة لها فإنما لأنها لم تُكتب أصلًا، لهذا علينا النظر إليها كما ننظر إلى أشخاص مكتومين.

باختصار، بلدانٌ غير مكتوبة هي “بِدُوْن” حرفيًّا.

إن كتابة التاريخ، لا سيما الاجتماعي، تساهم في بناء هوية البلدان العلمانية الواقعية، في حين أن غياب هذه الكتابة يساهم في خلق مساحات واسعة للهويات المتخيَّلة التي تصل أحيانًا إلى نزعات أقرب إلى الأسطورية، كما لدى داعش وغيرها.

علينا أن نتذكر أن عملية التأريخ في بلادنا تفتقد إلى العمل المنظّم المُمَأْسَس، ناهيك عن أن المادة التاريخية المتوفرة هي مادة تعوزها الجاذبية والرشاقة، بسبب إغراقها في التخصّص وانغلاقها على القارئ العام، لذا تبدو الحاجة ملحة إلى العمل بأسلوبٍ جديد لا ينظر إلى التاريخ الكبير (تاريخ الأحداث السياسية والحروب وكبار الشخصيات) وحسب، بل يضع إلى جواره التاريخَ الصغير (سجلات المحاكم وأضابير الشرطة والأوراق العائلية والتاريخ الشفوي.. إلخ)، ولأجل ذلك يحتاج كلّ بلد إلى تأسيس أرشيف مركزي مجانيّ، يستطيع أي إنسان الوصول إليه ليتكشف بنفسه الملفات المتعلقة بقضية تهمه، كما بإمكانه أيضًا أن يقدّم إضافته الخاصة من تاريخه الصغير إلى التاريخ الكبير، من خلال رفده بموادَّ عائليةٍ أو غيرها، تساهم في إضاءة جوانب من التاريخ العام.

على الرغم من أهمية التاريخ العام الذي يقوم على السندات والوثائق، إلا أن المذكرات (دفاتر اليوميات) والأوراق العائلية من وثائق ورسائل وبطاقات مختلفة (معايدات، دعوات..) وألبومات صور؛ تلعب دورًا هامًا في إضاءة إعتامات التاريخ الكبير، وتمنحنا فرصة للنفاذ إلى عمق الإحساس بحياة هذا المجتمع إلى درجة الشعور بأننا نعيش معه وإلى جواره.

من هذه الأشياء، كلها أو بعضها، ينهض التاريخ المحلي، ليروي قصص العائلات أو البلدات بأقلام أبنائها، فنفهم من خلاله الناس كأفراد وكجماعة، ونرصد التحولات الاجتماعية والمكانية، سواء جرى ذلك بفعل عوامل داخلية أو خارجية، طبيعية أو قسرية.

إن جمع كل ما هو متوفّر من مجموعات وثائقية، بنسخها الأصلية أو بصور ورقية أو بالمسح الضوئي، وإذا كانت هذه المهمة ذات أهمية لكلّ بلد، فإنها في حالة سوريا والعراق وليبيا واليمن تبدو ضرورة قصوى، لأن الذاكرة الوطنية لكل من هذه البلدان تتعرّض لعملية محو همجية، ففيها أُتْلِفت مؤسسات رسمية عديدة، وضاعت المقتنيات والمكتبات والأرشيفات الشخصية، كما أن تشرد أبنائها وتشتتهم بات عاملًا داعمًا لتفتيت الهوية وإعلاء شأن الهويات الفرعية.

أرشيف مثل هذا سيسعى إلى إعادة تعريف الهوية في سياقها الحضاري وتجربتها الإنسانية.

لو عدنا إلى بدايات الأدب الجغرافي العربي لوجدناه مكتوبًا بهدف استكشاف العالم، فالجغرافيون الأوائل رحّالة ومستكشفون عبروا البلدان والأقاليم ثم كتبوها أو رسموا خرائطها، هؤلاء الذين سُمُّوا بالمسالكيّين اتخذ استكشاف العالم عندهم شكلًا من أشكال استكشاف الذات. وبسبب هذا سيكون غياب هذه الكتابة الآن إشارة دامغة على غياب دوافع الاكتشاف. وعلى الأرجح لأنّ دول القمع والاضطهاد خفضت مستوى علاقة الإنسان مع مكانه إلى ما يتعلق بالاستعمال وشؤون العيش.

لكن السؤال المهم في هذا السياق هو هل تريد الدول القمعية العربية المعاصرة، ممالك وجمهوريات على السواء، أن يُكتب التاريخ بحرية؟ أن تكون هناك سرديات أخرى متاحة غير سردية السلطة؟ بالتأكيد لا، لأن السلطة تريد احتكار التاريخ، كتابته سوف تشكّل خطرًا عليهم. وهذا ما حدث للمؤرخ السوري عبد الله حنا. ففي القصة التي رواها في شهادته ضمن كتاب “التاريخ الشفوي” حكى عن عمله المدعوم من قبل اتحاد الفلاحين في سوريا لكتابة تاريخ فلاحي البلد، فأجرى في جولاته الميدانية 303 مقابلة مع فلاحين قدموا شهادات شفوية عن 245 قرية عاشوا فيها، وبعد سنتين من العمل أصدر الاتحاد الكتاب في ثلاث مجلات، في طبعة من عشرة آلاف نسخة، لتوزيعها على كل المهتمين بالأمر، لكن المخابرات، “الأداة الضاربة في يد أصحاب الثروات المنهوبة من الشعب والمال العام”، أتلفت كل نسخ الكتاب.

قصة حزينة ترينا أن ضياع التاريخ في سوريا، وفي البلاد العربية عمومًا، لم يأت عن عبث، إنما هو جزء من التصميم الذي قامت عليه الدول المعاصرة، التي تمارس عنفًا معرفيًّا على كل تاريخ غير تاريخها.

ما نسمّيه التاريخ الضائع لن يُستعاد باستعادة الماضي لأجل الماضي. الماضي انتهى ومضى بأهله وناسه. نريد من البحث فيه أن نستوعب كيف تشكّلت القصة العامة التي نعيش فيها، تمامًا مثلما يفعل التحليل النفسي حين يأخذ الإنسان إلى ماضيه البعيد والعميق ليخرج له بسردية يفهم من خلالها ذاته. ولأنّ هذه السردية جماعية فإن مساهمات الجميع فيها تنصف المهمّش، وترد الحق للمظلوم، وتشير إلى مساهمات كل مكوّن وطبقة من دون احتكار فئة للفضائل، ووصم كل من عداها بالرذائل، ما يقود بعد الرواية الكاذبة إلى رفع إمكانية قيام الحروب الأهلية وتقسيم البلدان ونفي السكان.

هذه الرواية الجماعية هي الشكل الفكري الذي يأخذ تطبيقه العملي شكل المواطنة القانونية. أي إن كتابة هذا التاريخ تُزيل عنا صفة المكتومين في أوطاننا وتمنحنا حق المواطنة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: