متى بدأت عادة التصفيق

متى بدأت عادة التصفيق

يُعرّف بأنّه الصوت الإيقاعي الذي يخرج نتيجة ضرب اليدين من داخلهما ببعضهما البعض. بمعنى أن “اليد الواحدة لا تصفّق”.

لم يتمكّن أحد من تحديد أين ومتى نشأ هذا السلوك التفاعلي الاجتماعيّ بشكل دقيق أو أوّل مَن مارسه. لكنّه علميّاً سلوك مُكتسَب غير فطري يتعلّمه الطفل غالباً في سنته الأولى ويرتبط عنده بالتشجيع وبالفرح لدى ذويه.

للتصفيق عدّة دلالات تعتمد في معناها على ظروف ومناسبة حدوثه. لكنّه بالعموم يعبّر عن الاستحسان والتقدير.

لم تقتصر ممارسته على البشر فيما بينهم؛ لكنّه استُخدم بدل الصوت في دعوتهم للحيوانات للأكل أو لتجميعها.
عُثرعلى نقوش قديمة تعود لزمن الفراعنة تُظهر المصريين وهم يصفّقون واعتبروه أداة الإيقاع الأساسية.

له ذكر واحد مرتبط بالعبادة بكتب العهد القديم (بكتاب الملوك) بالقرن 6 ق.م بمزمور 1.47: “يا جميع الأمم صفّقوا بالأيدي واهتفوا لله بصوت الابتهاج.” متزامناً مع اليونانيين القدماء الذين عُرفوا بعروضهم المسرحيّة والموسيقيّة والتي اعتُبر حضورُها واجبٌ مدنيٌّ مُلزمٌ للعامّة، وقيل أنّهم كانوا أوّل من وظّف أشخاصاً للقيام بعمل التصفيق مقابل أجرٍ مدفوع.

وبعدهم الرومان زمن حكم الطاغية نيرون وهو أوّل مَن أنشأ مدرسة لتعليم أصول التصيفيق وآدابه، وقيل أنّه كان يجلب 5000 من جنوده ليصفّقوا له بعد أدائه الموسيقي والمسرحيّ. عُرف المزاج العام في فترة حكمه بالسلبيّة ولا غرابة في ذلك.

ظهر أيضاً أثر للتصفيق في مسرحيّات “بلاوتوس” في القرن 3 ق.م وكان أحد العاملين بالمسرح يتقدّم في نهاية كل عرض ويطلب من الجمهور بأن يصفّقوا قبل مغادرتهم للتعبير عن إعجابهم بالعمل، بقوله: Valete et plaudite أي وداعاً وضرباً (تصفيقاً).

في القرن 16 وفي خلال أقوى مشاهد مسرحيّة شكسبير “يوليوس قيصر” بعد طعن القيصر؛ كان لشدّة التصفيق والهتاف معنىً سياسيّاً في السِّجال بين بروتس وآنتوني -الأوّل مدافعاً والثاني شاجباً- لمعرفة رأي الجمهور وتوجّهه السياسي.

أتى المؤّلّف الموسيقي الألماني الشهير ريتشارد فاغنر في القرن 19 ليوقف الفواصل بالعزف منعاً للتصفيق، واعتبره سلوكاً فظّاً وتشويشاً للعازف أثناء الأداء؛ واكتفى به عند النهاية. واعتُمِد بعدها بروتوكولاً يُطبّق في الدول المتقدّمة حتى الآن.

وكما ان للتصفيق الحار الطويل والمتواصل المترافق مع الوقوف والهتاف معنىً للتقدير والشكر كما حصل مؤخّراً في وداع أنجيلا ميركل رئيسة حكومة ألمانيا طيلة 18 عاماً حيث استمر التصفيق 6 دقائق متواصلة؛ كان العكس تماماً حين ألقى طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق كلمة بشأن الرعاية الصحيّة للمرأة عام 2000 حيث قوبل بالتصفيق البطيء المتقطّع المتباعد، مما دعاه للتوقّف والخروج.

يُعدُّ التصفيق جزءاً أساسيّاً في ثقافتنا العربيّة؛ فكثيراً ما يستخدم عند استقبال الشخصيات المهمّة ووداعهم وفي الاحتفالات الشعبيّة والوطنيّة والعروض المسرحيّة والموسيقيّة مع بقاء أدبيّاته -للأسف- دون ضبط إلاّ فيما ندر.

اجتاز هذا النمط من التعبير غاياته الأصليّة وأصبح صناعةً ومالاً وفساداً في زمن التطوّر التكنولوجي والحروب سواء العسكريّة أو الباردة في عالم طغت عليه الماديّة والفكر التوسّعي والاستحواذ على السّلطة بالقوّة، وقهر الشعوب الضعيفة واستغلالها. وفي سبيل تحقيق ذلك تقوم الدول النافذة بالتعاون مع عملائها داخل الدول المستهدفة بتوظيف “مصفّقين” لها مدفوعي الأجر وتجنيدهم في الإعلام لغايات نشر معلومات كاذبة خادعة ومضلّلة لتغيير توجّهات الشعوب وتحريكها نحوما يفيدهم في تنفيذ أجنداتهم المرسومة، وقد وجدوا في بلادنا تربة خصبة لذلك.

وكما كان التصفيق لغايات فنية وابداعية وحتى دينية نبيلا ( وهو يُستخدم في بعض الكنائس)، فانه اكتسب أيضا صفة التملّق أمام حاكم جائر أو مسؤول حزبي يُلقي كلاما ممجوجا لا ينفع بشيء فيعلو التصفيق تعبيرا عن التبعية العمياء او الضرورية او الالزامية. وربما لا يعرف كثيرون انه في البرامج التلفزيونية ذات الجمهور المباشر في الاستوديو، يقوم مدير المسرح أيضا بتعيين شخص مهمته الاساس هي دفع الجمهور للتصفيق حين يعطيه الاشارة، فلا تصدقوا ان كل ضيف يجذب التصفيق تلقائيا.

ويُلاحظ ان الصحافيين العرب يصفقون للسياسي في مؤتمر صحافي، بينما الاجانب لا يصفقون. ومعظم الموسيقيين العرب الكبار ينزعجون من تقطيع مؤلفاتهم امام الجمهور بالتصفيق والصفير، لكنها عادة تُعبر عن الحب، وغالبا ما كان الفنان يتوقف عن الغناء لترك الجمهور يعبر عن هذا الأمر بيديه، وكان بعض الجمهور يصل الى حد التصفيق والهتاف معا لمبدعين عشقهم كالسيدة ام كلثوم صارخا من آخر الصالة :” عَظَمة على عَظمة على عظمة” …

اليوم العرب يصفقون ضد بعضهم، ولن تقوم لهم قيامة الا اذا استخدم كل واحد منهم يده للسلام على الآخر بدلا من التصفيق لقتله.

نبذة عن الكاتب

محررة صحفية عملت في العديد من المواقع والصحف المصرية لديها خبرة في العمل الاعلامي .. مهتمة بالتحليل السياسي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: