دائرة قوس قزح الرمادية

دائرة قوس قزح الرمادية

على حافة الإكتئاب وقفت تنظر إلى العالم بعين يائسة لا تريد منه سوى المغادرة، صدمات متتالية وخيبات متلاحقة ولا مفر سوى التقدم للأمام حتى لو كانت نهاية الطريق هي القفز من علوً لتسقط أرضا وتنتهي الحياة.. فهذا هو الطريق المحتوم.
في هذه الأركان رائحة أمي، على تلك الوسادة وضعت رأسي وهي بجواري تحكي لي الحكايات لكي أغفو، وفي هذه الزاوية تعالت ضحكاتها على كلامي المتعلثم، هذه الأريكة شاهدة على طيبتها، وهذه الطاولة حملت ما لذ وطاب من صنع يدها..
الأيام الجميلة قصير عمرها، وليالي الإكتئاب والتعب تؤنس وحدتنا كثيراً، هذا هو الحال بعد أن تركتنا أمي بلا استئذان، لتتبدل الضحكات إلى صمت مطبق، والنظرات البريئة إلى أوامر صارمة، والراحة إلى جداول عمل لا يمكن تخطيها أو كسرها.
في الوقت الذي كنت لا أجيد فيه تحمل مسئولية نفسي، وجدتني أتحمل أيضا مسئولية رتيل أختي الطفلة الصغيرة، ولا أدري كيف سوف اتصرف تجاهها.. المهم أني اصبحت أماً في سن صغيرة، وهو ما دفعني لتنسيق وقتي بين أختي ودراستي وأمور البيت.
بقدر استطاعتي حاولت أن اتجنب أي تعليقات سلبية تدخلني في جدال أنا في غنى عنه، مثل سائق سيارة يخشى الحصول على مخالفة مرورية أو الوقوع في براثن كاميرا الرادار التي تصطاد متجاوزي السرعة المقررة.

تزوج أبي بعد وفاة أمي.. لم تكن لدي مشكلة في زواجه، لكن المشكلة تكمن دائماً في زوجة الأب..فهي ليست أم، ولا مجال للتفاوض معها، مثل القوى العظمى التي تحكم العالم تعطي الأوامر فقط وتنتظر من الجميع السمع والطاعة.. ولم يكن هناك مفر من الإذعان لكي لا اخسر أبي أيضاً.

دائرتي الإجتماعية كانت مغلقة كقوس قزح، ولكنها لم تكن ببهجة جمال ألوانه، دفنت رأسي بين دفتي الكتب هرباً من ضجيج مشاكل الحياة، وفي أحد الأيام الباردة امتدت لي يد حانية أدفأت شتاء أيامي، ليتطور الأمر سريعاً كضوء برق لمع في ليل حالك وتتكلل بالإرتباط وتمت الخطبة.

كان لي كل الدينا.. وكنت له أرضه وسماؤه أو كنت اتخيل ذلك، انبهاري وتعلقي به فاق كل الحدود، كان دوماً حاضراً بجواري ليمسح عن جبيني كل ألم ويمنع سقوط دموع عيني.. حتى عند وفاة أمي أخذ بيدي وجعلني أتخطى كل موجات السقوط.. ملأ الفراغ الذي انزلقت فيه مثلما تملأ مادة الغراء شقوق الأخشاب لتتماسك بقوة.
ولكن شيئا لا يدوم أبداً.. ارتخت قبضته على يدي، واختفى فجأة بدون مقدمات، ليتركني اسقط مرة أخرى في دوامة الإكتئاب ولسان حالي يقول حتى أنت يابروتوس.

#ياسر_أبوالريش
كاتب وصحفي

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: