بضعة رجال و”دمية”… شوارع #مصر تختار #شخصيات_العام

بضعة رجال و”دمية”… شوارع #مصر تختار #شخصيات_العام

في كل عام، في كل مكان وزمان، تفرض مجموعة من الشخصيات نفسها على اهتمام البشر في الشوارع، فيما يُسمى بـ”القيل والقال” واعتناء مستخدمي الإنترنت فيما يُطلق عليه “الترند العنكبوتي”. هذا الاهتمام والاعتناء أقرب ما يكون إلى معايير اختيار شخصية العام الشهيرة من قبل مجلة “تايم” الأميركية، فلا الإنجازات المذهلة المعيار فقط، أو الانتصارات المؤثرة مقياس يُكتَفى به، أو حتى الشعبية والمحبة و”الكاريزما” وحدها يعتد بها، فهناك من يفرض نفسه بسبب عمل مفجع أو تصريح مذهل أو قرار مفاجئ، ولكن يبقى العكس أيضاً معياراً يعتد به.
وقد حفر عام 2019 في مصر أسماء عشرات الشخصيات في أحداثه وذاكرته لأسباب مختلفة ومتناقضة. بعضها ولهاً وعشقاً لأصحابها، والآخر شجباً وتنديداً بهم، أو حتى سخرية وتهكماً عليهم. كل من الشخصيات المختارة لعام 2019 شغلت قيل الشارع وقاله، و”ترند” الشبكة العنكبوتية وشدها وجذبها.

محيي “إيه تاني” إسماعيل

جذب الفنان المثير للجدل، محيي إسماعيل، اهتمام الملايين. هذه المرة، لم يكن الجذب بسبب دور غريب أداه في فيلم أو مسلسل، أو تصريح عجيب عن نية قيامه بدور زعيم عُرِف بديكتاتوريته أو رئيس اشتُهر بنرجسيته. ردود إسماعيل على أسئلة عادية لصحافي استوقفه في مهرجان الإسكندرية السينمائي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كعادة الصحافيين مع الفنانين تحولت بعد دقائق من التفوه بها إلى “ترند” عنكبوتي، ومنها إلى حديث الشارع، وأخيراً “إفيهات” خالدة ستبقى لسنوات.

“ما رأيك في المهرجان؟”… “أنا أول مرة أحضر المهرجان ده، أنا عضو لجنة تحكيم الأفلام العالمية، إيه تاني؟!”… “هل شاهدت فيلم الممر”… “لا ماشوفتوش (لم أشاهده) أنا شوفت الرصاصة (لا تزال في جيبي)، وأنا عملت دور اليهودي وكنت عبقري وشكراً”. وأنهى إسماعيل اللقاء بقوله للصحافي “أنت مابتعرفش (لا تعرف) تسأل أسئلة”.

محيي إسماعيل المثير دائماً للجدل لأسلوبه الغريب والشخصيات المركبة التي كان يؤديها درامياً تحوّل إلى إحدى أشهر الشخصيات واقعياً وافتراضياً، وتحولت ردوده العجيبة إلى تعليقات مصاحبة لـ”الكوميكس” والصورة والفيديوهات التي يتداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي للتعليق أو السخرية، أو وصف أحداث وحوادث سياسية واقتصادية، وأيضاً حياتية تشغل المواطنين العاديين وتؤرق نومهم.

مرتضى “سي ديهات” منصور

نوم كثيرين ضربه الأرق خلال العام الفائت بسبب رئيس نادي الزمالك، وعضو مجلس النواب، وإحدى أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في المجتمع المصري خلال العقد الأخير، المستشار مرتضى منصور. صراعات منصور التي لا تهدأ أو تفتر خرجت من عباءة الـ”سي ديهات” (الأسطوانات المدمجة) التي ظل يلوِّح بها في استوديوهات القنوات على الهواء مهدداً ومنذراً أعداءه ومعارضيه، سواء في السياسة أو الرياضة، وامتدت “هبداً ورزعاً” في الكرة والحياة النيابية وحتى في الفن والحياة والأخلاق. لم يترك منصور خلال العام مجالاً إلا واقتحمه أو حدثاً إلا واستخدم أدواته التهديدية والشتائمية والانفعالية ليعلق عليه.

منصور المسكوت عن أساليبه النارية وانفعالاته البركانية وتهديداته الجهنمية لأسباب لا يعلمها أحد، لم يترك شهراً خلال العام إلا وأثبت نفسه “ترنداً” مرة في الأقل، ناهيك بأخباره الملتهبة التي تملأ الصحف وتنضح بها البرامج.

وقد نجح المستشار مرتضى منصور في أن يحجز لنفسه مقعداً مميزاً ضمن مقاعد شخصيات العام في مصر بإسهاماته العديدة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أحاديث السحر التي تغلق شباك كرة القدم، إلى نعوت وصفات صادمة للممثلة رانيا يوسف وفساتينها إلى درجة اتهام أحد فساتينها بمحاولة هدم الاستقرار في مصر! إلى اتهامات وتهديدات لإداريي وفنيي ولاعبي كرة القدم المصريين، سواء القابعين تحت إمرته في نادي الزمالك أو أولئك المحترفين خارج الحدود وعبر البحار.

مو صلاح والشجرة

وعبر البحار ورغم المسافات، وعنداً في كل قيل وقال، ما زال النجم المصري محمد صلاح أو “مو صلاح” شخصية قادرة على البقاء ضمن أبرز شخصيات العام في مصر، لكن هذا العام، بدا تماماً أن حالة الاستقطاب وتسييس الأمور و”بيزنيس صناعة الوحش” أو تخليق البطل عمليات تدور رحاها هنا وهناك.

وهناك في بريطانيا حيث يلعب “مو صلاح” ضمن صفوف نادي ليفربول، انتشرت صوره له مع ابنته يرتديان فيها زي “هالوين” مرة وملابس تنكرية تارة أخرى، ومع زوجته على خلفية شجرة عيد الميلاد قبل أيام، وهو ما دفع البعض إلى مهاجمته. وبين “تخلٍ عن العادات والتقاليد المصرية” و”التشبه بغير المسلمين” و”مجاراة الغرب الكافر” دارت تعليقات منتقدة للنجم المحبوب، وهي التعليقات التي صنعت تربة خصبة لناشطي جماعة الإخوان المسلمين على مواقع التواصل الاجتماعي لتصطاد في مياه الفتنة العكرة، وتدق على أوتار حياة النجم المحبوب الخاصة.

انتقادات عنيفة

العجيب والغريب أن صلاح وجد نفسه خلال العام مادة شد وجذب من قبل الواقفين على طرفي نقيض، فقبلها بأشهر تعرض لانتقادات عنيفة عقب تداول صورة تجمعه باللاعب المصري المعتزل والمقيم في قطر محمد أبو تريكة، الذي يرى كثيرون أنه متعاطف وداعم لجماعة الإخوان المسلمين. سيل انتقادات مشابه وُجه إلى صلاح أيضاً بسبب صورة جمعته بالإعلامي الساخر والطبيب باسم يوسف، صاحب برنامج “البرنامج” الشهير المتوقف منذ سنوات.

الممثل والمعلق السياسي والكوميديان البريطاني الذي يعمل في الولايات المتحدة، جون أوليفر، كتب عن “مو صلاح” ضمن ترشيحات مجلة “تايم” لشخصية العام 2019 “محمد صلاح كإنسان أفضل من محمد صلاح كلاعب كرة قدم. هو أحد أفضل لاعبي الكرة في العالم. من الصعب جداً أن تجد بطلاً رياضياً أقل تأثراً بنجاحه ومكانته من محمد صلاح. وهو أمر لا يصدق في ظل كم الضغط الذي يتعرض له بحكم شدة عشق الناس له. ورغم ذلك، دائماً يظهر كشخص متواضع وعميق التفكير ومضحك، فهو لا يأخذ أياً من هذه الأشياء محمل الجد. هو يلعب بفرح معدٍ. وجهه يضيئ بعد أن يلعب لعبة جيدة، فيعطيك إحساساً مؤكداً أنه يستمتع جداً بما يفعل”.

محمد “نمبر وان” رمضان

قدر مماثل من الاستمتاع بما يفعل يظهر على وجه الفنان المصري المثير للجدل الطبقي المؤجج للمخاوف على حال الثقافة ومآل الأخلاق ومصير الفن الأصيل، “نمبر وان”، “الأسطورة”، “حبيشة”، النجم محمد رمضان.

نجم سائقي “التوك توك” المحارب من قبل القائمين على “زمن الفن الأصيل” تمثيلياً وغنائياً، نجم نجوم الطبقات الشعبية العريضة الذي يقدم نموذج الذكر المصري صاحب العضلات والصوت الأجش القادر على وضع خط رفيع لكن حاسم بين البلطجة والجدعنة، الذي يغضب المثقفين والمتنورين ويسعد من فاتهم قطار التعليم وقاطرة التثقيف. محمد رمضان يستحق عن جدارة أن يكون ضمن شخصيات مصر الفارضة نفسها بقوة الذراع أو “الترند” والمشاهدة في عام 2019.

أسود وسيارات وملابس

لم يترك رمضان غرابة إلا وعملها، أو لافتة مثيرة للجدل إلا وخاض فيها. ملابس عجيبة لم يعتدها العرب، يرتديها بكل ثقة فتصنع منه نجم “الترند”. تربية أسود واقتناء سيارات فارهة تقف على طرف نقيض من شريحة المجتمع المتيمة به، يخصص لها جلسات تصوير مطولة ليصنع منها المادة الخام للقيل والقال على مدى أيام. فيديوهات مصورة مثيرة وتصريحات ممنهجة غريبة لرمضان يجرى تداولها، وتتحول إلى عوامل فارقة في مكونات الهرم الطبقي ونقطة انطلاق يعتد بها في الدراسات والأبحاث السوسيوإعلامية والإثنوثقافية، والتي لا تخلو من نقرات سياسية.

السياسة لا تغيب عن الساحة المصرية، حتى إن بدت سنوات أكثر خفوتاً من غيرها أو أهدأ حالاً من سواها. وعام 2019، حتى إن وُصِم بعام الجمود السياسي من حيث الحراك والتعددية والمسارات الديموقراطية، فقد حفل بعناصر وأحداث وحوادث فرضت نفسها على الساحة السياسية، رغم أنها لم تكن سياسية المنشأ.

مقاول وفنان في آن

وقد نشأت التوجهات السياسية والانحيازات الأيديولوجية للقاعدة العريضة من المصريين في سنوات ما بعد هبوب رياح الربيع في شتاء عام 2011 على أثير العنكبوت، ومنذئذ وأغلب الارتجاجات السياسية وما يعقبها من هبات إعلامية وزخات شعبية تنشأ على منصات التواصل الاجتماعي، لذلك لم يكن تفجر اسم المقاول الفنان محمد علي كـ”معارض سياسي” أو “عميل وخائن” أو “ريادي وقيادي” أو “بالون اختبار خائب” أو غيره على يوتيوب، ومنه إلى بقية منصات التواصل، مفاجئاً من حيث الوسيلة، لكن المفاجئ كان التركيبة الغريبة للشخصية الجديدة التي شغلت، وما زالت، اهتمام الشارع في مصر.

“علي”، الذي يقول عبر فيديوهات مصورة من محل إقامته في إسبانيا إنه بنى قصوراً لشخصيات عسكرية وسياسية في مصر، وأنه شاهد عيان على فساد ونهب أموال، يحاول أن ينصب نفسه قائداً ثورياً أو معارضاً سياسياً أو بطلاً لا يخشى في الحق لومة لائم طالما يقيم في إسبانيا، سيطر على اهتمام المصريين واقعياً وافتراضياً. شاهدوا فيديوهاته، وتابعوا تغريداته، وتندروا بتصريحاته وتحركاته وأحدثها “وثيقة” سماها بـ”التوافق المصري” لتوحيد الصفوف وتنسيق الجهود وقلب النظام الحالي وإقامة نظام جديد يكون هو قائده.

محمد علي الذي يستحق عن جدارة أن يكون ضمن الشخصيات التي شغلت الرأي العام في مصر خلال العام المنصرم يجرى استثماره كما ينبغي من قبل قوى إقليمية وجماعات دينية وقنوات فضائية، منها على سبيل المثال لا الحصر تركيا وجماعة الإخوان المسلمين وقناة “الجزيرة”، وهو ما جعل الرأي العام يتابعه من باب العلم بالشيء.

كامل “إنجازات” الوزير

الشيء الذي يحتار المصريون في فهمه هو سر تعلقهم الشديد بشخصيات عامة يعتبرونها المخلِّص والمنجد والساحر، بل قد يقحمون مدرب كرة قدم في السياسة ظناً منهم أن فوز فريقه بالبطولات يؤهله لإنقاذ الأوطان، أو يتفكهون بأن من يشق الطرق ويبني الجسور بحرفية وسرعة وإتقان قادر على إنقاذ الزمالك من براثن الأهلي أو فوز المنتخب أمام الكاميرون.

وفي شهر مارس (آذار) الماضي، كان المصريون على موعد مع تحقق حلم داعب مخيلتهم وأمل راود أفكارهم. “رجل المهام الصعبة” الذي رُقي شعبياً إلى “رجل المستحيل” أحد شخصيات العام مصرياً. رئيس الهيئة الهندسية في القوات المسلحة سابقاً الذي أصبح وزيراً لإحدى أصعب الوزارات في مصر، ألا وهي وزارة النقل، صاحبة السجل الحافل بكوارث السكك الحديدية على مدى عقود، اللواء المهندس كامل الوزير من أكثر الشخصيات شعبية في مصر.

امتناع عن الطبطبة

فبين حسم في القرار وإنجاز في الإجراء وامتناع عن الطبطبة مع كثير من الهرولة في العمل، وجد كامل الوزير نفسه قرة عين ملايين المصريين الذين ظلوا دهوراً يشكون بطء الإجراءات الحكومية وتقزم الشعور بالمسؤولية وتجاهل مطالب الخدمات العامة، لا سيما فيما يتعلق بالطرق والجسور.

قائمة إنجازات الوزير التي أهلته لتقلد الوزارة عقب كارثة محطة مصر، 27 فبراير (شباط) الماضي، التي أودت بحياة 20 مواطناً وأصابت العشرات تشمل على سبيل المثال لا الحصر الإشراف على مشروع حفر قناة السويس الجديدة، وتطوير هضبة الجلالة في منطقة العين السخنة، وحفر القناة الجانبية في ميناء شرق بورسعيد، ومحور روض الفرج وكوبري سندوب، لكن تبقى جاهزيته المستمرة للعمل وشغفه بالإنجاز وولعه بالسرعة العوامل الرئيسة التي جعلت منه “فتى أحلام المصريين المتعطشين لسرعة الإنجاز”.

الراجل “أبو فانلة”

وإذا كان الوزير أصبح ملء السمع والبصر بسبب عشرات مشروعات البنية التحتية الكبرى التي أشرف على إنجازها، فإن رجلاً آخر أصبح كذلك ملء السمع والبصر لأيام عدة من دون أن يعرف أحد اسمه أو هويته، وبعدها ينتقل هو الآخر ليكون بطلاً مغواراً في مجال الـ”ميمز” (الصور المركبة على الإنترنت ومعها تعليقات ساخرة على أشخاص أو أحداث).

“الراجل أبو فانلة”، وفي أقوال أخرى “الراجل أبو عوامة”، اكتسب شهرة فائقة عقب يوم ممطر بغزارة في شهر أكتوبر الماضي. غمرت المياه الشوارع وغرقت الأنفاق وبينها “نفق العروبة” في خلال دقائق، فما كان من “الراجل أبو فانلة” إلا أن خلع ملابسه باستثناء الداخلية واستعان بدولاب سيارة ومشى بثقة إلى داخل النفق الغارق لينقذ شاباً حاصرته المياه. وبين مشجع ساخر ومندد ساخر انقسمت مواقف المصريين، حيث أثنى فريق على شجاعة الرجل وإقدامه لتقديم يد العون، وصبّ فريق آخر الغضب على المحليات والمسؤولين الذين تسببوا بإهمالهم في ترك النفق يغرق في شبر مياه. لكن يبقى الجانب الإيجابي، ألا وهو تحول الرجل “أبو فانلة” إلى شخصية مهمة شغلت المصريين خلال العام.

الدمية سليطة اللسان

ولم يأبَ العام أن ينصرف من دون أن يُفرح قطاعاً عريضاً من المصريين بعودة شخصية لامعة ساطعة في سماء الفن وأثير التلفزيون وكمين السياسة، ألا وهي “أبلة فاهيتا”. بسرعة البرق انتقل خبر عودة “أبلة فاهيتا” المتوقفة عن العرض على شاشات مصرية لأسباب سياسية، لكن يقال إنها إنتاجية أو فنية. عودة الدمية التي كانت تهز مصر ليلة كل خميس على مدار سنوات ضحكاً عميقاً بالدق على أوتار اجتماعية حيناً، وجنسية أحياناً، وسياسية دائماً، تم الإعلان عنها عبر حساب “أبلة فاهيتا” نفسها على “تويتر”، ورغم أنها ستعود على “نتفليكس” وليس على شاشات مصرية، فإن ملايين المصريين تناقلوا الخبر بفرحة شديدة، حتى أولئك الذين لا يعرفون المقصود بـ”نتفلكيس”. المصريون الذين يعشقون الإسقاطات الضاحكة بأنواعها، لا سيما الجنسية والسياسية نصّبوا الدمية سليطة اللسان حاذقة الفكر كوميدية المحتوى جديرة بأن تكون إحدى شخصيات عام 2019 في مصر.

هي شخصيات مثيرة للجدل، بعضه جدل حميد والبعض الآخر خبيث، لكنها شغلت المصريين اهتماماً ومتابعة وشكراً وشجباً ومحبة وكرهاً وكسراً لحلقات الملل المفرغة، فاستحقت أن تكون شخصيات العام.

 

أمينة خيري

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: