المناصب .. ولعبة الأيام

المناصب .. ولعبة الأيام

يستغل بعض الأشخاص سلطاتهم ومناصبهم لمصالحهم وفي الطيغان علي البسطاء دون رحمة أو خوف، وكثيرا ما نجد ذلك عند بعض المسؤولين والموظفين الذين يعتقدوا أن ارواح الجماهير لعبة في أيديهم.

ففي الكثير من المصالح الحكومية المسئولين والموظفين هناك  يتعاملون مع الجماهير بقسوة  وغلظة خاصة البسطاء منهم الذين لا يدركوا كيفية الحفاظ علي حقوقهم، ويحدث النقيض مع أصحاب النفوذ والسلطة فيتم إنجاز مصالحهم بسرعة فائقة ويتم التعامل معهم بمنتهي الود والحب ما يعكس التفرقة بين طبقات المجتمع.

القسوة ملأت قلوب البشر وتمكنت من  الكثير من أصحاب السلطة الذين يعتقدوا أن الأرض خلقت لهم بمفردهم وأنهم هم الأمراء وباقي الناس مجرد عبيد لا يجب أن لا تطالب بحقها في الحياة، والغريب أيضا أن صغار الموظفين أصبحوا أسوء بكثبر من كبار الموظفين في أغلب الأحيان، فنجد الموظف العادي يتشاجر مع الناس ويتعالى عليهم ويتعامل معهم بطريقة غير لائقة لأن مصالحهم بين يديه، على الرغم من أنه مواطن عادي ينتمي الي فئة البسطاء الذين يقهرهم ويعطل مصالحهم لمرض في قلبه أو لشيء أخر! وبالطبع ليس كل الموظفين أو المسئولين بتلك الغلظة بل يوجد الكثير من المحترمين الذين يحترموا القوانين ويتقوا الله  سبحانه وتعالي في أعمالهم وفي الناس.

عندما أجد موظف أو مسئول يستغل منصبه أتذكر قصة فرعون موسي الذي طغي وظلم الكثير حيث أنه كان يقتل الأطفال ويستحيي النساء دون أي رحمة أو شفقة حتى وصل به الأمرإلى التجرؤ علي الله سبحانه وتعالي حيث أنه أدعي الإلوهية ورفص الإيمان بالله ما عجل بهلاكه هو وجنوده حيث يقول الله في كتابه العزيز (ونادي فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي افلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين.فاستخف قومه فأطعوه إنهم كانوا قوما فاسقين.فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين) صدق الله العظيم .

فرعون كان يعتقد أنه مخلد وأنه ليس له رادع هو وجنوده لكن الله أبادهم  جميعا ليعطي درس للظالمين بأنه يمهل ولا يهمل وبأن الظالم نهايته الهلاك، والنموذج الأخر الدال علي ذلك حديثا هو قصة اللواء  حمزة البسيوني مدير السجن الحربي في عهد الرئيس  جمال عبد الناصر حيث أشتهر عنه قوله للمعتقلين عندما كانوا ينادوا بأسم الله سبحانه وتعالي ويستنجدوا به من شدة التعذيب  “لو أتي ربكم ذلك هذا لوضعته في هذا السجن” ما جعل نهايته عبرة.. فقد تم القبض عليه وسجنه بعد النكسة وتم إدانته لم فعله بالمعتقلين  فبقي “البسيوني ” في السجن عامين ويقول الكاتب الصحفي صلاح عيسي الذي التقي حمزة البسيوني وهو مسجون في سجن القلعة

“كان حمزة البسيوني هو الشخصية الثانية البارزة التي رأيتها في سجن القلعة عندما عدت إليه للمرة الثانية في ربيع 1968 وكانت تهمتي هي المشاركة في مظاهرات طلاب الجامعة.. كنت أتلصص  كالعادة من ثقب زنزانتي رقم (3) بمعتقل القلعة وكان الزمن يوما من بداية صيف 1968 حيث شاهدت رجلا وقوراً شعره أبيض كالثلج يتهادى في الممر في طريقه إلى مكاتب الإدارة وخلفه أحد المخبرين وكان الرجل يحاول أن يستشف ما وراء أبواب الزنازين المغلقة, وصاح المخبر فيه: “بص قدامك يا سيد”.. إمتثل في رعب للأمر, وحث خطاه حين مر أمام زنزانتي فلم يتح لي وبعد ساعتين من الإنتظار مر الرجل أمام باب زنزانتي, وكان واضحا أنه إسُتدعى لكي يلتقي بزوار جاءوا لزيارته في السجن, إذ كان يحمل أكياسا من الفاكهة يقضم واحدة منها وخلفه المخبر يحمل حقائب وأكياسا متعددة.. في هذه المرة إستطعت أن اتبين ملامحه لأكتشف أن له شاربا ناصع البياض مشذب بعناية وبمادة مقواة وكان ذلك كافيا لكي يطمئن قلبي, لأن أبي لم يكن ـ منذ شبابه ـ  يربي شاربه! فيا بعد رأيت الرجل العجوز كثيرا ذات ظهيرة انتهز فرصة مروره أمام زنزانتي, متقدما عن المخبر الذي كان مرتبكا لثقل ما يحمله من أمتعة, ليقول لي بصوت هامس:” أنا اللواء حمزة البسيوني”.. أنت مين؟ وقبل أن أفيق من دهشتي, دهمنا صوت المخبر, وهو يصيح فيه: “وبعدين.. أمشي من سكات”, فإذا به لذهولي الشديد يستجيب للإنذار بخوف, وهو يحاول أن يترضي المخبر بكلمات نفاق! بطريقة الفوتو مونتاج في الأفلام السينمائية تتابعت على شاشة رأسي صور خاطفة لمشاهد مما سمعته من المعتقلين عما فعله بهم حمزة البسيوني, سياط تمزق جلوداً وصفعات تصافح أصداغا وقبضات تعوج أفكاكا, وأجساد تسحل بحبال خشنة على أرض صخرية, أو تسحب رجال من خصيِّهم. يا ألطاف الله الخفية, أهذا الرجل ذو الوجه الطفولي البريء الذي أحببته وإعتبره صورة من أبي هو اللواء (حمزة كينج كونج) الذي يزدحم ملفه بكل تلك المشاهد التي لا يتحمل أي إنسان مجرد رؤيتها, فكيف تحملها الذي أوقعت به, وكيف أستطاع الذي فعلها أن يفعلها, ثم أين ذهبت هذه القسوة؟ والرجل الذي كان إلى شهور قليلة مديراً للسجون الحربية, ما كاد يتحول إلى سجين, حتى أصبح كالفأر المذعور, لا يستطيع أن يعامل مخبراً صغيراً”.

وفي يوم 19 نوفمبر عام 1971  بعد خروج حمزة من السجن كان مسافر من  الإسكندرية إلى القاهرة ومعه شقيقه حيث إصطدمت  سيارته بأحد السيارات المحملة بالحديد والأسياخ ، ومات حمزة وشقيقه وتعرضت جثته لتشويه كبير نتيجة دخول عدد من الأسياخ الحديد فيها، وذلك نموذج لعاقبة البطش والظلم.

الدنيا فانية ولا تستحق كل هذا الصراع الذي يحدث فيها لذلك لا يجب أن نستغل قوتنا وسلطتنا في إذلال الناس والتحكم فيهم، فالأيام دول والقوة والسلطة لله وما نحن كلنا إلا عبيد الله وكما قال الله تعالي في كتابة العزيز (وابتغ فيما آتاك الله الدار الأخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يجب المفسدين )صدق الله العظيم.

**عمر أحمد

**صحفي مصري

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: